سيد محمد طنطاوي

78

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : بأن يحولها من أرض جدباء هامدة إلى أرض خضراء زاخرة بالنبات * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * هذه الإرشادات ، ويستعملون عقولهم في الخير لا في الشر ، وفي الحق لا في الباطل ، وفي استنباط المعاني الدالة على كمال قدرة اللَّه - تعالى - ورحمته . ثم ذكر - سبحانه - آية سادسة فقال : * ( ومِنْ آياتِه أَنْ تَقُومَ السَّماءُ والأَرْضُ بِأَمْرِه ) * والمراد بقيامهما : ثباتهما وبقاؤهما بتلك الصورة العجيبة البديعة . أي : ومن آياته - سبحانه - الدالة على كمال قدرته ، خلقه للسموات وللأرض ، وإبقاؤه لهما على هذه الصورة البديعة ، وقيامهما وثباتهما واستمساكهما على تلك الهيئة العجيبة ، وذلك كله بإرادته وأمره ومشيئته . قال ابن كثير : وشبيه بذلك قوله - تعالى - : ويُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِه . وقوله : إِنَّ اللَّه يُمْسِكُ السَّماواتِ والأَرْضَ أَنْ تَزُولا . وكان عمر بن الخطاب . رضى اللَّه عنه - إذا اجتهد في اليمين قال : لا ، واللَّه الذي تقوم السماء والأرض بأمره ، أي : هي قائمة ثابتة بأمره وتسخيره إياها « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) * بيان لامتثالهم لأمره بدون تقاعس ، عندما يدعوهم الداعي للخروج من قبورهم للبعث والحساب . و « ثم » بعدها كلام محذوف ، و « إذا » الأولى شرطية ، والثانية فجائية ، والداعي هو إسرافيل بأمر اللَّه - تعالى - : وقوله : * ( مِنَ الأَرْضِ ) * متعلق بقوله * ( دَعاكُمْ ) * . أي : ثم بعد موتكم ووضعكم في قبوركم ، إذا دعاكم الداعي دعوة واحدة من الأرض التي أنتم مستقرون فيها ، إذا أنتم تخرجون من قبوركم مسرعين بدون تلبث أو توقف ، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع . قال صاحب الكشاف : وإنما عطف هذه الجملة على قيام السماوات والأرض بثم ، بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر ، واقتداره - سبحانه - على مثله وهو أن يقول : يا أهل القبور قوموا ، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ، كما قال - تعالى - : ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ « 2 » . وكما في قوله - سبحانه - : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ . فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ « 3 » وكما في قوله - عز وجل - : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِه . وتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا « 4 » .

--> ( 1 ) سورة النحل . الآية 125 . ( 2 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 205 . ( 3 ) سورة النازعات الآيتان 13 ، 14 . ( 4 ) سورة الإسراء الآية 52 .